"حشيش"
عندما دخل غرفة صديقه ، استغرب من كمية
التناقضات التي تعج بداخل الغرفة ، كل شيء كان مجتمع سويا ، المتناقضات والمتشابهات
بشكل مختلط مهما اختلفت أشكالها وألوانها ،
سواء كانت كتبا أو تحفا أو رسوما أو ألوانا أو حتى أثاثا وربما حتى الصور الفوتوغرافية
كانت مجزأة ومركبة لعدة وجوه أو حتى أعضاء مختلفة لتشكل صورة واحدة ، وحتى تقاسيم الأرضية
والسجاد كانت تجتمع بألوان متنافرة أو متمازجة بشكل غريب ، ولكن الذي أدهشه أكثر هو
المكتبة التي كانت تضم آلافا من الكتب المختلفة منهجيا وعلميا واختصاصيا ، وأدهشته
رؤوس الحيوانات المشوهة ، فمرة رأى غزالا بشعر أسد ، ووقردا وعلى رأسه قرن ، ومزيدا
من الغرابة التي كانت تأخذ عقله ، عدا عن خزانة ملابس صديقه الممتلئة بتصاميم وألوان
توجع العين ومجتمعة في القطعة الواحدة غالبا ، عدا عن تلك اللوحات السيريالية الغريبة
الرسم العميقة المعنى والمشاعر التي قد تصل للسلبية المطلقة والكاملة ، عدا عن تلك
الطاولة العتيقة التي توجد فوقها نسخ متعددة لكتب أكثر الأديان السائدة إلى يومنا ،
عدا عن لوحات وصور لعاريات ومحتشمات ، وصور الطبيعة والجمال ، وصور الحرب والدمار ،
عدا عن أنواع مختلفة من الموسيقى كانت تعمل ضمن تردد واحد ومختلط .
سأله : كيف استطعت القيام بذلك ؟ أعني لم
كل هذه التناقضات ؟ ألا ترى الأمر غريبا ؟
أشاح بنظره إليه قائلا وهو يشعل غليونه
: مطلقا لا أرى في الأمر أية غرابة ، فكل ما تراه هو تعبير عن ما في داخلي من تراكمات
.
استغرب صديقه مما يقول وبدأ يطلب التوضيح
: كيف ؟ لم أفهم ؟ هلا شرحت لي بشكل مفصل ؟
جلس ص " وهو رمز لاسم صاحبنا الغريب
الأطوار " على الكرسي خلف المكتب ، وهو ينفث دخان غليونه : في الواقع يا صديقي
لربما سمعت بنظرية الأوتار الفائقة والأكوان المتوازية ؟ وهل
سمعت من قبل بالكارما لدى الديانات الشرقية ؟
يبحلق في وجه " ص " وهو مستغرب تمام الإستغراب من نقل مجال
الحديث لشيء آخر : صديقي هل تدخين الحشيش أثر عليك لدرجة أنك لم تستطيع التمييز
بين سؤالي وطريقة جوابك ؟
" ص " يضحك : إذا فالبداية بسيطة ، عليك أن تعرف يا صديقي
أن نظرتي لسلوكي الشخصي تعتمد على فكرة آمنت بها منذ زمن بعيد ، وهو أنني مجرد
نسخة مصغرة عن بعض الإفتراضات والقوانين التي تتعلق بالأوتار الفائقة والأكوان
المتوازية ، وكذلك بالكارما ، ولو أنني لم
أستطع إيجاد نقاط توافق كثيرة بين تلك النظريات وبين سلوكي الشخصي والتناقض الصارخ
وكأنني مجموعة من الأشخاص داخل شخص واحد ،
أعلم أنك قد تفزع من كثرة هذه المصطلحات وكيفية التوفيق بينها حتى ، ولعلك لاحظت
التناقض ما بين أنني جمعت بين نظرتين علميتين وبين إيمان صوفي آتي من الشرق .
-
يحملق في
صديقه : إلى الآن لم تأتي بما أستطيع أن أفهمك منه يا عزيزي .
ص : ما أستطيع قوله وتفسيره لك ، هو أن الكينونة التي تراني بها الآن
ليست حالة واحدة ثابتة ، بل هي عدة حالات ظاهرة محتملة في نفس الوقت ، حينها أكون فيما أسميه الوضع الفائق ، وهو وضع
يسمح لي باحتواء كل تلك الشخصيات والأفكار المتناقضة في وقت واحد ، وعندما تكون هناك ملاحظة علي أو
انتباه وقت الحديث أو الفعل ، فهذا الوضع لا يكسر ، بل يتحول من شكل إلى آخر ،
ولكي أثبت لك بمثال فالشخص الذي يراني سيرى حالة ثابتة واحدة طبعا حسب ما يظن ، ولكن
المثير في ذلك هو أن زميله المجاور سينظر لي نظرة أخرى مختلفة وذلك لاختلاف تصرفي
معه رغم أنهما يشتركان في نفس الحديث ، وكلاهما قد يلاحظان التقلب في التعامل
ولكنه تقلب ناعم وتدريجي قد لا يدركانه إلا متأخرين ، تماما كما سيدرس بعض
الفيزيائيين بعض الأشياء على أنها موجات وبعضها جسيمات .
لا زال يهرش رأسه : ولكن إلى الآن لم تعطني السبب الرئيسي الذي جعلك
تمتلك قدرة " الوضع الفائق " تلك والتي تجعلك مرتاحا مع كمية التقلب
والتناقض في سلوكك وتعاملك مع الناس .
يبتسم ص ويجيب قائلا : حسنا ، في الواقع هناك أشياء لم أخبرك بها بعد
، ففي البداية لعلمك سمعت بالأوتار الكونية بطبيعة الحال وكيف تنشأ الجسيمات
والذرات تباعا لذلك العزف ، وتنشأ القوانين الفيزيائية إلخ وذلك على مدى 11 بعدا
زمنيا منفصلا ، حسنا يا صديقي الأمر بسيط جدا ، ذلك العزف لا يكتفي فقط بالوجود في
ذلك 11 بعدا ، بل هو يستطيع أن يوجد جميع الصفات وحتى التناقضات في بعد واحد من
أصل الـ11 بعدا ، ببساطة تلك " القيثارة " ليست فقط منزوية في الكون
وغير محسوسة ، بل هي داخل أكثر البشر ومن خلالها تتقلب نفسية الإنسان وأحاسيسه وأفكاره
، وذلك لا ينتج سوى عن طريق ذبذبات غير مرئية لكن محسوسة من محيط الإنسان تؤثر
عليه وتظهر ذلك بشكل مادي داخل جسم الفرد ، كشعوري الحب والسعادة وكيف يترجم جسد
المرء ذلك عن طريق مجموعة من الهرمونات كالدوبامين والأوكسيتوسين إلخ .
هذا إن لم ننسى كذلك أننا نعيش داخل بعد زمني واحد لكن متقلب الظروف
الزمانية والمكانية وليس على حالة ثابتة أو مستديمة ، فالزمن الذي نتحدث عنه يختلف
شعوره من فرد لآخر تبعا لطريقة العزف الداخلية لتلك القيثارة والتي تغير بدورها
شعور الإنسان ليس حول الزمن فحسب بل حول كل شيء ، الأمر أعمق من مجرد قوانين جامدة
تحكم الكون ، فلا زالت هناك مساحة انسابية ومرنة الحركة لم يصل العلم إليها تفسيرا
.
-
ولكن في
بداية حديثنا تحدثت عن الكارما لدى الديانات الشرقية وكذلك الأكوان المتوازية ،
فما علاقة ذلك بحديثنا ؟
يجيب " ص " : حسنا ، في الواقع ، تلك القيثارة العملاقة
التي تنشيء أوتارها أغلب ما تراه في الكون ، كما ذكرت مسبقا فإنها تؤثر في 11 بعدا
منفصلا " ولعلها أكثر " ، وكل بعد من هذه الأبعاد لا يتأثر بالآخر حسب
ما يقوله البعض ، لكن ميشيو كاكو خالف الأكثرية وذكر أن تلك الأبعاد المختلفة تؤثر
في بعضها البعض ويوجد هناك إتصال فيما بينها ، ودعم كلامه وجود ما يسمى بالفراغات
الكونية ، ولو أردت أن أكون واضحا معك فتلك الأبعاد أيضا متواجدة بداخلي ، فكل
شخصية تظهر في داخلي إبان التعامل مع الناس باختلافهم وحتى مع تواجدهم سويا
ورؤيتهم للتغير والتقلب السلس في الحديث ينبئ للمرء بأنه يتحدث مع شخص متعدد
الشخصيات لا يستقر على حال ، ولو أخذنا نظرية الأكوان المتوازية والأوتار الفائقة
بشكلها الصحيح لربما وجدت تصرفي يميل للمنطقية أكثر من كوني ثابتا وراسخا على حال
واحدة غير متغيرة ، ولعلني أجد في الكتب المقدسة كذلك ما يدعم وجهة نظري حول هذا
الإختلاف المتجذر في نفس المرء ، ولعلي سأستعمل مثال الكارما البوذي لأوضح فكرتي
بشكل أوضح .
كما ذكرت لك سابقا فالقيثارة الكبيرة الكونية ، والقيثارة الروحية
البشرية هما صنوان لا يفترقان في تحديدهما لسلوك البشر وتأثير البيئة المحيطة
عليهما ، فأنا أعزو جمعي للتناقضات في التصرفات واختلاف وتضارب الأفكار الذي
أستطيع أن أظهره بسلاسة حيادية مثل الصفر في عملية الجمع والواحد في عملية الضرب ،
هو أيضا إضافة إلى كوني عشت حياة سابقة وأعمالي الحالية أثرت على ما تراه مني الآن
، لكن الفرق أن تلك الأوتار عندما عزفت كانت تجمع ولا تحيد الصفات الشخصية التي
كنت أتصف بها من بين العديد من العوالم الأخرى ، أو ربما هذا العالم فحسب .
-
ولكن حسب
ما أعرف فالمرء حسب تلك الفلسفة ينسى ما عايشه في حياة سابقة ، وإن كان كلامك
صحيحا فلم لا تتذكر تلك الحياة السابقة ولو واحدة منها على أقل تقدير . .
يجيب " ص " : سؤالك عميق يا صديقي ، كما تعلم فلقد اكتشف
العلماء أكثر من 30 منطقة فارغة باردة تتواجد على بعد ملايين السنين الكونية في
" عالمنا هذا " ، ولا نعلم كيف ظهرت هذه المناطق ، ولأبسط لك المثال حسب
الكارما ، فمثل هذه المناطق الفارغة تتواجد في روح وعقل الإنسان كذلك ولذلك وجدت
الإختلاف الكبير بين مستوى تفكير البشر وتطورهم كذلك ، فكما يقول أحدهم فإن عملية
التعلم لا تنشأ من الصفر بل هي أقرب إلى عملية استعادة للمعارف والعلوم والخبرات
المخبوءة داخل الإنسان منذ يوم ولادته
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق