الخميس، 29 مايو 2014

الاستبداد ، استدلالات ومغالطات

بعض التيارات الفقهية كانت ولا زالت تعتمد على تراث فقهي قديم يعتمد على مفاهيم رئيسية أهمها :

1 / تكريس فكرة كون العامة رعاع وغوغائيين وتجهيل المجتمع وتسطيحه والتقليل من شأنه واحتقاره .

2 / التنزيه الكامل وتأييد السلطة المركزية مع تسطيح لمفهوم الشورى واختيار الناس لحاكمهم .

3 / تكريس الإحتقار لبعض الطبقات الشعبية كطبقة الموالي أو أي من الطوائف الإسلامية المخالفة .

المشكلة مما نعانيه في تشكيل المفهوم الفقهي السياسي هو أن أكثر متبعي تلك التيارات دائما ما يتعمدون خلط الأحداث السياسية بالدين وإضفاء القداسة العقدية في هكذا أمور كي تصبح غير قابلة للنقاش وأمرا من الثوابت التي ترسخ البعد الأيدولوجي لتشريع سلطة الحاكم .

ومن الإشكاليات التي نلحظها بسهولة في فكر هذه التيارات هو اعتمادها على النسق الممجوج والمكرر حول كون الحاكم من الحافظين للدين وشرائعه ، في مقابل تجاهلهم وتسطيحهم لمعاناة الناس وتعرضهم للظلم والفساد من قبل الحاكم وأعوانه ، ومما يثير الإستغراب أيضا هو كون هؤلاء الفقهاء يتعاملون بمنطق فقهي مقتص ومجتزأ من سياقه التاريخي والنصي ، فعلى سبيل المثال فقهاء الحكام دائما ما يرددون على مسامعنا أفكارا فحوى أمورها أن صلاح الناس يعني بالضرورة صلاح الحاكم ، في مقابل التبرئة والتنزيه الكامل للحاكم حتى في حالة فجوره وطغيانه والاستدلال بذلك على أحاديث لا تكرس سوى فكرة تأييد الإسلام للظلم وعدم محاربته ، وهي الرسالة التي أتى بها الرسول عليه الصلاة والسلام .

فكرة صلاح الناس من صلاح الحاكم كان هناك ما يكذبها في التاريخ الإسلامي ، ولعلنا نرجع بداية لعصر الخلفاء الراشدين ، حيث كان الخليفة هو عثمان بن عفان رضي الله عنه ولكن مع ذلك كانت هناك العديد من المشاكل السياسية وسخط الناس من عثمان لأسباب تاريخية لا زالت تلك التيارات نفسها ترفض الخوض فيها ، هذا عدا عن قصص فجور الخلفاء ومجونهم وتمتعهم ببذخ وفسوق في وقت كان الناس يئنون من الجوع من الإحتكارية للثروات وذلك مع وجود الوعاظ وانتشارهم وقربهم من الخلفاء ومجالسهم ، هذا إن لم نذكر طغيان الحجاج والخلفاء على وقته في هجومهم الشرس على خصومهم ومعارك المدينة المنورة رغم تواجد العديد من الصحابة والتابعين في ذلك الوقت .، فهذه فكرة كاذبة ولا أساس لها سوى مجرد تمديد لفكرة تسطيح الرعية لإبعادهم عن المطالبة بأية نظام آخر " ديموقراطي أو غيره " يحل محل نظام الحكم الحالي المستمد شرعيته من قبل الكهنوت .

فالكهنوت نفسه هذا يقتبس ما يشاء ويحذف ويلغي ما يشاء من النصوص التي لا تناسب هواه في التبرير للحاكم ، فعلى سبيل المثال " كما تكونوا يولى عليكم " رغم أنه تم إضعافه من عدد من أئمة الحديث من بينهم ابن حجر العسقلاني الإمام الألباني .
ولكن في نفس الوقت لا نجد لهم ذكرا لنصوص أخرى ترفض ظلم الحاكم وطغيانه وبل تتجاهل حتى عرضها أو مناقشتها لأن ذلك سيهدم ثنائية السلطة - الكهنوت التي تحتاجها مثل هذه الأنظمة عن طريق علاقة تكافلية تضمن لكل منهما مصالح الآخر دون حصول أية إصطدامات ، ولا أعلم بأي منطق يرى ذلك أصحابنا المنتفعون أولا وأخيرا من بقاء السلطة في يد ولي نعمتهم ، ولا أعلم أي دين سيقبل بفساد الحاكم ومجونه وفجوره وفقر الناس وحاجتهم وخراب عيشتهم ! كفى ضحكا على الذقون .

صندوق باندورا

في الميثولوجيا الإغريقية القديمة ، صندوق باندورا لم يكن مجرد أسطورة ' وهو الصندوق الذي عندما فتح بدأت حياة الشقاء والتعب والمرض والكوارث والشرور بأنواعها على الأرض' بل كانت تلك حقيقة واقعة عن ضرورة كون الحياة مليئة بالعديد من الصعاب التي تحرم الإنسان من سعادته وفرحته. لكن تلك القصة لم تفغل أنه كانت هناك نزعات مؤذية متواجدة أصلا في طبيعة الشخصيات التي ذكرت في القصة ، وهي ان كنا سنستنبط منها شيئا فذلك يرمز إلى كون الإنسان يحمل بذور المشاعر السلبية ىالإيجابية التي تحدد مدى سعادته الشخصية .
لربما كانت القاعدة الثابتة في كل الحياة : ( السعادة تأتي بشكل واحد ، أما التعاسة فهي تأتي بعدة أشكال) ، اشكالية بحثنا عن السعادة ليست مرتبطة فقط بما نصبو أن نحققه من مال أو نجاح أو تفوق دراسي ومعرفي ، بل هي متعلقة كذلك بما يريد الإنسان حفظه كذلك مثل الصحة والعلاقات الإجتماعية من حب وصداقة وروابط أسرية وغيره ، تقريبا ما طبع في أذهان الكثيرين هو جل ما لخصه العالم الشهير إبراهام ماسلو في هرمه لتحديد الإحتياجات الإنسانية الأساسية .

تحقيق هذه الإحتياجات كما حددها ماسلو تؤدي بالضرورة إلى تحقيق الرضى التام والسعادة لدى المرء ونوع من الراحة ، وبعض هذه الاحتياجات وخصوصا الأرقى في سلم الهرم كانت تتعلق بأمور غير مادية وغير محسوسة ولكن مع ذلك الحصول عليها يشكل فرقا كبيرا في حياة الإنسان كالشعور بالحب والتقدير الذاتي وتقدير الآخرين ، فتحقيق السعادة ليس مرتبطا فقط بما يحققه الإنسان من كسب مادي ، بل من مكاسب معنوية ونفسية كذلك ، ويعتمد كلا الاثنين على المجموع النهائي لأفعال الإنسان وقراراته .
ولعل أهم الفلسفات الدينية كانت هي المعبر عن تحقيق سعادة الإنسان وتحقيق التوازن بين احتياجات الإنسان المادية والروحية دون التطرف في ذلك كي لا يفقد الإنسان استقراره وسعادته الداخلية .

بتلك النقاط نصل إلى نتيجة مهمة نلخصها في نقاط :

١/ لا يمكن تحقيق السعادة دون تحقيق مكسب معنوي أو مادي بعد بذل نوع من الجهد .
٢/ عند محاولة الإنسان تحقيق سعادته ، فتحمله الصعوبات والظروف السيئة ليس بالضرورة كونه سعادة ، بل هو نوع من القناعة والصبر التي تكون كالمهدئ للإنسان نفسيا وداخليا حتى تحفظ جهده وطاقته .