جاء في ملحمة الإلياذة ، الفصل العاشر :
"أرسل عليهم مطرا داميا يتساقط من السماء "
تتكرر ظاهرة المطر الدموي بشكل نادر وعلى فترات زمنية متفرقة في التاريخ ( وتاريخنا الإسلامي حافل بمثل هذه الحوادث مثلما حصل في عام 41 هـ وهو عام الجماعة عندما تنازل الحسن بن علي رضي الله عنه ، وخلال العصور القديمة أخذت هذه الظاهرة أبعادا خرافية وحملت أكثر مما يجب .
ا أقدم حادثة يمكن التأكد منها فهي ابتلاء الله لأهل مصر بنزول الدماء عليهم زمن موسى عليه السلام {فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين}.. وبعد هذه الحادثة بأربعة آلاف عام وثق عالم الطبيعة الإنجليزي فيليب جوس سقوط مطر غريب على لندن صبغ على اثره الشوارع والبيوت والأشجار بلون أحمر محروق.. والغريب أنه تحدث أيضاً عن سقوط فراشات نافقة برفقة هذا المطر - مما أعطى الحادثة اسمها الشهير «دماء الفراشات».. وحكاية الفراشات هذه تذكرنا بحادثتين مشابهتين أوردهما المؤلف فرانك كراون في كتاب الحقائق العجيبة لتاريخ الحشرات (أو Curious facts of History of insects). فقد تحدث عن سقوط مطر أحمر برفقة فراشات ميتة فوق ليفربول عام 1017 ومطر أحمر مشابه على ضواحي ديتون عام 1780!!
في
العام 1001 م ، أمطرت السماء دما في فرنسا ( علما أن هذه الظاهرة تحصل
كثيرا في أنحاء متفرقة في العالم وفي أزمان مختلفة ) ، وقتها انتحر كثير من
القساوسة خوفا من الله ومن العذاب القادم ، وبعضهم ارتد لأن ظنوا أن إبليس
اغتصب السماء وقتل الملائكة !
وغيرها الكثير من الحوادث ، طبعا أغلب هذه الحوادث ربطت بخرافات أو أساطير أو غضب إلهي وأكثر الروايات التي سجلت كان موعد هطول الامطار هذه مرافقا لكوارث بشرية مدمرة ، وفي هذا المجال لا يمكن أن يجيب العلم عن صحة ذلك من عدمه ، لكن كل شيء من الممكن حصوله .
وفي القرن العشرين حصلت حادثة للمطر الدموي في مدينة كيرلا الهندية ، واستنادا للديانة الهندوسية فإن ذلك علامة على عصر الدمار والخراب والجشع .
طبعا حكاية المطر الدموي وضعت حولها الكثير من الإفتراضات ، من بينها تفسيرات قد لا تكون رصينة ومقنعة تماما " مثل اصطدام نيزك بسرب من الفراشات أو الخفافيش" ، ولكن في القرن التاسع عشر تحديدا في أكاديمية برلين كانت هناك دراسة أكثر رصانة حول المطر الدموي ، ففي الأكاديمية تمت إجراء تجربة محاكاة لنفس الظروف التي تنتج فيها الأمطار الدموية ، وتم لهم ذلك من خلال مزج الماء بالغبار المحمر .
ويشير قاموس الصحافة الأكاديمية للعلوم والتكنولوجيا إلى أن السبب في اللون الأحمر هو وجود الغبار الذي يحتوي " أكسيد الحديد " ، وأكسيد الحديد بطبيعة الحال لونه أحمر فيعمل على تلوين مياه الأمطار .
ولعل أقرب مثال واضح على أكسيد الحديد هو لون كوكب المريخ .
وأيضا كانت نظرية الغبار والرمال التي تحملها رياح الصحراء والملوثات الجوية التي تحملها المصانع ( مثل مدينة مانتا بشرق الاكوادور) ، فهذه المدينة تحيط بها تربة بركانية تميل إلى الإحمرار حيث تسيل الجداول بهذا اللون.. وفي نفس الوقت تنفث مصانع الطوب (التي تعتمد على هذه التربة) أبخرة داكنة تختلط مع المطر فتنزل باللون الأحمر .
من الممكن أن نستعمل مثالا حصل في حرب الخليج الثانية إبان انفجار واحتراق آبار النفط في الخليج والتي أدت لاحقا إلى أمطار سوداء وذلك بسبب تبخر النفط وتلويث الهواء الجوي .
لكن مثل هذه الإفتراضات كانت مرفوضة للكثير من الباحثين ، ومن بينهم الباحث الهندي غودفري لويس ، أستاذ الفيزياء بجامعة المهاتما غاندي ، والذي قام بجمع عينات من المطر الدموي ، وكانت النتيجة أنها لا تحتوي على الغبار ، بل على تراكيب خلايا حيوية وعلى هذا فهي جسيمات أتت من النيازك والشهب والمذنبات .
وتمت دراسات مستضيفة كثيرة وكانت النتيجة أن النيازك والمذنبات هي التي لها علاقة بالمطر الدموي وذلك لاحتوائها على كائنات غريبة ودقيقة بيولوجيا .
طبعا هذه النتيجة تعتبر بحثا مؤيدا لنظرية " البذر الكوني " ، والتي تنص على أن الحياة أتت من خارج الأرض فبواسطة الشهب والنيازك تم تلقيح الأرض والحياة فيها .
" من الجدير بالذكر أن بعض الملحدين استغل هذه النظرية لصالحه بينما هي تحتمل فرضيتين ، وذلك لتبرير التطور الدارويني وإيجاد مخرج لكيفية وجود الخلية الأولى على الأرض ، بينما الإشكال نفسه لا زال قائما فمن أين ستأتي هذه الكائنات الحية وكيف انتقلت عن طريق الشهب والمذنبات ، الإجابة ستكون الصدفة " الجواب الأبله المعتاد "
طبعا النظرية السابقة وجدت معارضة بالطبع ، وتعتبر أن المطر الدموي ليست له علاقة بالمذنبات والشهب إلخ ، بل السبب هو الجراثيم المحمولة جوا من الطحالب الأرضية ، وقد يكون هذا الإفتراض قويا جدا بسبب ما تكسبه الطحالب عادة للمياه من احمرار.
إلى اللحظة ، كل هذا العمق والتعقيد في قضية واحدة يكشف لنا فعلا أننا لا زلنا نجهل الكثير من حولنا ، صدق الله العظيم " (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً).



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق